أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الرحمن وأسرار الوجود وكيفية الدعاء

 

أسرار إسم الرحمن الحقّ: رؤية قرآنية متكاملة، مع كيفية الدعاء والاستجابة.

الرحمن هي قوانين الوجود، وهو اسم الربوبية والفاعل في كل شيء، وهو المعزّ والمذلّ. ولكن كتب الله على نفسه الرحمة، لذا جاء:

بسم الله الرحمن الرحيم.

(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

صدق الله العظيم

أسرار اسم الرحمن والقوانين الكونية

يعني: بسم الله اسم الجلالة، ثم بعد ذلك الرحمن الربوبية، وبعدها الرحيم. وبالتالي رحمته سبقت عذابه أو عقابه، بحيث جاءت الرحيم مباشرة بعد الرحمن.

وبالتالي الوجود وما فيه من أنظمة هو رحمانيات، وهي تفوق إدراك الإنسان. بمعنى أن هناك رحمانيات نشتغل عليها وتدخل في نطاق الوعي الإنساني، وهناك أخرى خارج هذا النطاق، بمعنى أنها تفوق قدرة الإنسان، فنحن لا نستطيع تخيّل الله كيف هو، أو الجنة والنار، أو الموت والحياة، وكل الكونيات الخارجة عن نطاق الوعي الإنساني. لذا فنحن نعلم جزءًا منها فقط.

إذن سنحاول فهم ما هو عكس الرحمن في القرآن؛ فكل شيء في الكون يقوم على الزوجية، وفي القرآن أيضًا، بمعنى: المعزّ والمذلّ، الفقير والغني، الشكّ واليقين. حتى الإنسان شملته الزوجية، كباقي الكائنات.

قال الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾

حتى عند قيام الساعة تأتي: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾.

صدق الله العظيم 

وبالتالي، من خلال السياق القرآني، عكس الرحمن هو الشيطان؛ الرحمن هو الحقّ، والشيطان هو الوهم. الأشياء التي خلقها الله كلها واقع، حتى النار والجنة واقع خارج إدراكنا. ولكن أفعال الشيطان وهم، بحيث يوسوس من خلال أفكارنا ليُقنعنا بالكرامة والشرف والانتقام والخوف. وإذا تمعّنّا، كل هذه الأشياء غير مادية. ويشتغل الإنسان في الوهم فيُصاغ كحقيقة لإخراجنا عن إدراكنا.

لذا قال الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا

صدق الله العظيم

بمعنى: الوجوديات كلها حقيقة وملموسة، حتى التي خارج نطاق وعينا وإدراكنا، على عكس أفعال الشيطان التي هي باطل ووهم يُصاغ لنا على أنه حقيقة، فنصدّقه وندافع عنه بإستماتة. وبالتالي عكس الحق هو الباطل، والحق بالطبع هو الذي ينتصر لأنه واقع.

كما جاء في قصة موسى، قال الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120).

صدق الله العظيم

عصا موسى حقيقة، أما فعل السحرة فهو وهم، وهو من صنع الشيطان. وقد علموا ذلك، ولذلك سجدوا وسلّموا، لأنهم علموا أنهم أمام حقيقة، عكس ما يفعلون. كما جاء في سورة طه:

بسم الله الرحمن الرحيم

قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69).

صدق الله العظيم

يعني حتى موسى رغم أنه رسول خيل له، لولا اليقين الذي جاءه من الله أنه هو الأعلى، لأن ما صنعوا وهم، أما التي بيده فهي حقيقة. وقد علم السحرة أنها حقيقة لأنهم يفرّقون بين الوهم والحقيقة، فذلك من صميم عملهم، ويعلمون جيدًا كيف يعمل الشيطان، فهم أولياؤه. وعلموا أنهم بصدد معجزة إلهية خارجة عن نطاق علمهم. لذا فالسحر من فعل الشيطان، وبالتالي السحر هو وهم ولكن يبدو كحقيقة.

وبالتالي نحن نعمل فقط في الرحمانيات التي أُعطيت لنا، قال الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

صدق الله العظيم

فالكون يسير وفق نظام دقيق وضعه الرحمن، والكل منضبط به. فهناك نطاق نعمل فيه ونطوّره، وهناك حدود لا نستطيع تجاوزها. وآخر آية سأستشهد بها هي دعاء مريم في سورة مريم:

بسم الله الرحمن الرحيم

(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا).

صدق الله العظيم

لذا فدعاء الرحمن يكشف لنا الوهم، ويزيل الغشاوة الوهمية التي يصنعها الشيطان. كما قالت مريم: أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًّا، بمعنى: حتى تنكشف لها الحقيقة، وإن كان وهمًا أو شرًّا سيبطله الله بتدخّله بربوبيته، فهو الاسم المنفّذ المظهر للحق. وكلما ضاقت بأحد فليدعُ به، فتنكشف الغشاوة ويظهر له الحق.

الفكرة باختصار وبجمال:

القرآن يضع أمامنا حقيقة دقيقة في قول الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ).

صدق الله العظيم

هذه الآية تكشف أن الله والرحمن اسمان عظيمان، وكلاهما يجمع تحتَه أسماءً حسنى، لكن لكل اسم مجال عمل مختلف:

1/ الله = اسم الجلالة.

هو الاسم الجامع للصفات الإلهية التي يتعامل بها الإنسان مع ربه في حياته اليومية:
الغفور، الرحيم، الحليم، الغني، الشكور، السميع، البصير…

هذه صفات تتعلق بتزكية النفس والهداية والرحمة والعفو والفضل.

• بمعنى عندما تطلب الغني فأنت تطلب الغنى.

• وعندما تطلب الحليم فأنت تطلب الحلم.

• وعندما تطلب الرحيم فأنت تطلب الرحمة.

هذه كلها صفات مرتبطة بعلاقة الإنسان بالله.

2/ الرحمن = اسم الربوبية والقوانين والحق.

الرحمن هو الاسم الذي يشير إلى:
القوة الفاعلة في الكون، القوانين الوجودية، التنفيذ، التقدير، الإعزاز، الإذلال، القبض، البسط، المنع، العطاء.

هنا تأتي الأسماء مثل:
المعزّ، المذلّ، الضارّ، النافع، المانع، القابض، الباسط، الخافض، الرافع…

هذه ليست صفات أخلاقية، بل قوانين تنفيذية تتحقق في الواقع وتظهر في حركة الوجود.


ولهذا جاءت الصياغة القرآنية الدقيقة: الرحمن الرحيم

الرحمن بمعنى المنفّذ الكوني.

الرحيم بمعنى تجلّي الرحمة من هذا التنفيذ، الرحمة المكتوبة على نفسه.

فالرحيم هو نتيجة من نتائج الرحمن، وليس الرحمن نتيجة للرحيم.

الدعاء بـ الرحمن يفتح باب التنفيذ الكوني، والدعاء بصفات الجلالة يحدّد نوع الاستجابة التي تريدها من هذا التنفيذ.

المفاتيح في يدكم، وكل وفهمه، ومدى إدراكه لأبعاد الموضوع.

تعليقات