الوسوسة: حوار بلا جواب وطريق التحرر باليقين
أحيانًا نجد أن الوسوسة تقف عائقًا أمامنا، وكأنها تُلقي في طريقنا عراقيل غير مرئية تجعل ما نطمح إليه يبدو صعبًا أو مستحيلًا. لكن مع مرور الوقت نكتشف أن الأمر لم يكن بتلك الصعوبة التي تخيلناها، بل كان أسهل مما توقعنا.
الوسوسة هي امتداد لما نفكر فيه؛ تطرح فكرة مع نفسك فتدخل في حوار عميق مليء بالأسئلة دون جواب. فلا تدع ذلك "الهاتف الداخلي" ينزعك من سكونك فتصبح أسير أفكار لا تنتهي؛ كمن يملك حفنة من الحبوب ليطعم بها حمامة، فإذا بالحمام يتكاثر حوله حتى لا يبقى في يده ما يكفي للجميع.
وفي الغالب، تكون الوسوسة سببًا في إبعاد الإنسان عن المسار الصحيح، خاصة إذا كان الطريق مليئًا بالخير. وعلى العكس، فإن الشيطان يزيّن للإنسان الأعمال إذا كانت تحمل شرًا أو تبعده عن الصلاح، كما قال الله تعالى في سورة النمل:
لكن في نهاية الأمر، يبقى القرار بين يديك؛ فأنت وحدك من يختار طريقه. والشيطان قد يهيئ الظروف ليثنيك عن الخير، أو يشغلك بأمور ثانوية تصرفك عن الأساسيات، فيدخلك في حوارات داخلية وتفاصيل أنت في غنى عنها، وربما تتشكل حول الفكرة بيئة تعززها أو مواقف تعيد إحياءها. ومع ذلك، فإن الحضور شيء والسلطان شيء آخر؛ فهو قد يحاول التأثير أو تهيئة الأسباب، لكنه لا يملك سلطانًا على من توكل على الله، كما قال تعالى في سورة النحل:
وإذا أردت تجاوز العقبات، فإن التوكل على الله هو المفتاح، وأفضل وسيلة لذلك هي الدعاء، مع الاستمرار في الطريق دون الالتفات إلى ضجيج الحوار الداخلي، بأن تعمل عكس الوسوسة حتى يتعوّد عقلك الواعي والباطن أنك أنت المتحكم، فتضعف حدتها مع الوقت. فالقرآن يضع لك أصول الهداية، ويمنحك المنهج الذي تواجه به كل اضطراب، ومع الدعاء يأتي العمل. وسنتطرق إلى الأدعية القرآنية في موضوع آخر إن شاء الله، أما الآن فحديثنا عن الوسوسة. قال الله تعالى في سورة ص:
تشير هذه الآية الكريمة إلى أن العلاج لا يكتمل بمجرد الدعاء، بل يحتاج إلى سعي عملي؛ فالله الذي استجاب لأيوب عليه السلام أمره أن يبذل جهدًا: "اركض برجلك"، ليصل إلى النتيجة: "مغتسل بارد وشراب". والمعنى أن مواجهة الوسوسة أو المرض تتطلب خطوة ملموسة تكسر دائرة الجمود؛ فالحركة تفعّل أثر اليقين وتنهي حالة الاستسلام. لذا عند الوسوسة علّمنا الله كيف نستعيذ، فقال في سورة المؤمنون:
فالاستعاذة هنا ليست من الحوار الداخلي فحسب، بل من مرحلتين: من همزات الشياطين، أي من الشرارة الأولى والتحريض الخفي، ثم من حضورهم، أي من دوام تأثيرهم أو من تهيئة الأسباب والظروف التي تعزز الفكرة وتحيط بالإنسان لتدفعه عن طريقه. فالابتلاء أو التعرض للوسوسة لا يعني ضعف التوكل، فحتى الأنبياء تعرضوا للمسّ والابتلاء، لكن الفرق أن الحضور لم يتحول عندهم إلى سلطان. وفي كل تعرض للضرر أو الابتلاء، فإن الله يمد الوسائل والخطوات للخروج منه، فيُلهِم المؤمن طريق التحرر، ويصبح هو المتحكم في نفسه وطريقه لا الفكرة أو الوسوسة.
ربما يُفرج عن الكثيرين إن استوعبوا هذا المعنى وأخذوه على محمل التطبيق. وهناك آيات عديدة تعالج العوائق التي يتعرض لها الإنسان؛ فمن دعا الله بقلب سليم متيقنًا بالإجابة نال من عطائه بقدر ثقته به.
الخلاصة:
تذكر أن الله يعلم خفايا هذا الحوار الداخلي الذي يدور في صدرك، كما قال الله تعالى في سورة ق:
فهذه الوسوسة قد تنطلق من النفس أولًا، وقد تكبر إن استُضيفت طويلًا، لكن اليقين بأن الله أقرب إليك من نفسك هو ما يمنحك السكينة لقطع هذا الحوار حتى لا يستمر، فتظل أنت المتحكم لا الفكرة.
