العدّة في القرآن: بين المقصد القرآني ونقد الموروث الفقهي
في الكثير من القراءات الفقهية التقليدية، تم توظيف نصوص القرآن لتبرير ممارسات بعيدة عن روح الرسالة القرآنية، مثل زواج الصغيرات. لكن التدبر الدقيق للآيات يظهر أن الهدف من النصوص التنظيمية هو حماية النسب وضمان براءة الرحم، وليس وضع قواعد لعمر الزواج. سنحاول تقريب الصورة في ضوء قراءة قرآنية للآية بعيدًا عن الموروث.
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى في سورة الطلاق: «وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ».
صدق الله العظيم
الموروث الفقهي شوه المقصد القرآني
لقد حوّل الموروث الفقهي التقليدي هذا النص التنظيمي إلى غطاء لممارسة إجرامية وهي "زواج الصغيرات"، مدعين أن جملة «وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» تعني الطفلة التي لم تبلغ الحلم. هذا الفهم البشع لم يكتفِ بالتأويل، بل استند إلى مرويات صنفها الفقهاء "صحيحة" لتكريس هذا الواقع:
• رواية عائشة: الاستشهاد بحديث (صحيح البخاري ومسلم) الذي يزعم: "تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين". هذا الحديث يصطدم بشكل صارخ مع جوهر العدل القرآني ومع وقائع تاريخية أخرى تثبت نضجها، ونقده اليوم ضرورة أخلاقية لتنزيه الرسالة عن انتهاك الطفولة.
• الآراء المذهبية: ذهب الفقهاء (كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة) إلى جواز تزويج الأب لابنته الصغيرة "بغير إذنها" لأنها لا إذن لها، مستدلين بالآية السابقة لتشريع عدتها، مما جعل من جسد الطفلة مادة للعقود قبل اكتمال عقلها.
نقد: كل هذه الاجتهادات والمرويات لا تستند إلى القرآن، بل إلى قراءة بشرية اجتهادية. استخدامها لتبرير زواج القاصرات هو خروج عن النص القرآني ومقاصده.
القراءة الحقيقية: مراحل التأكد من الحمل
التدبر في الآية يكشف أنها تتحدث عن حالات بيولوجية لنساء بالغات حدث لديهن "ارتباك" (شك في وجود حمل)، وليس عن أطفال:
- نِّسَائِكُمْ: تبدأ الآية بوصف "النساء"، والطفلة لغةً وواقعاً لا تُسمى امرأة؛ فالخطاب موجه لمن بلغت الأنوثة الكاملة.
- يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ: هن اللواتي انقطع عندهن الحيض لكبر السن. ومع ذلك، وضع الله قاعدة للشك (إِنِ ارْتَبْتُمْ)؛ فإذا حدث ريبة في احتمال حمل متأخر، فالانتظار ثلاثة أشهر لقطع الشك.
- اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ: هن النساء البالغات اللواتي انحبس عندهن الحيض لأسباب طبية أو اضطراب هرموني. هنا يقع الارتياب: هل هذا الانحباس سببه حمل أم عارض صحي؟ والمدة المحددة هي ثلاثة أشهر كفترة كافية لظهور الحمل يقيناً.
- أُولَاتُ الْأَحْمَالِ: هي المرحلة الفيصل؛ فمن تأكد حملها في الحالات السابقة، فعدتها تنتهي بوضع الحمل.
شرط البلوغ والرشد
القرآن يحسم الأمر بأن الزواج (النكاح) لا ينفك عن الرشد، كما في قول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
«وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكاَحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ»
صدق الله العظيم
إذا كان التصرف في "المال" يشترط بلوغ النكاح (الفتوة والقدرة الجسدية) مع إيناس الرشد (النضج العقلي)، فمن باب أولى أن يكون الزواج وبناء الأسرة قائماً على هذين الركنين. إن نكاح من لم تحض ولم ترشد هو هدم للميثاق الغليظ، وتشويه لآيات الله التي جعلت الزواج سكناً بين كيانين مكتملين.
التوضيح النهائي للمراحل والهدف
| المرحلة | الوصف | الهدف القرآني |
|---|---|---|
| يئسن من المحيض | النساء اللاتي انقطع عندهن الحيض بسبب الكبر | قطع الشك في احتمالية الحمل (3 أشهر) |
| لم يحضن | النساء اللواتي لم يظهر الحيض لسبب طبي أو اضطراب | التأكد من عدم وجود حمل (3 أشهر) |
| أولات الأحمال | النساء اللواتي حدث الحمل عندهن | العدة حتى الولادة للتأكد من النسب |
